أطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة مبادرة شاملة تهدف إلى الحفاظ على تراثها الثقافي وتعزيز الاعتماد على الذات اقتصاديًا. ومن خلال تطبيق المؤشرات الجغرافية، تتخذ الدولة خطوات حاسمة لحماية المنتجات التي تُجسّد الهوية الإقليمية والحرف التقليدية والفخر الوطني.
حماية التراث من خلال المؤشرات الجغرافية
بقيادة وزارة الاقتصاد، يوفر نظام المؤشرات الجغرافية في دولة الإمارات العربية المتحدة حماية قانونية للمنتجات ذات الصفات والسمعة المتجذرة في مناطق محددة. وتتجاوز المؤشرات الجغرافية مجرد ملصقات، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ وثقافة وتاريخ موطنها الأصلي. وتوفر هذه المؤشرات أداة فعّالة للتعريف الفوري في السوق وثقة المستهلك، على عكس العلامات التجارية التي تتطلب عادةً سنوات من بناء العلامة التجارية.
أثبت هذا النموذج فعاليته في مختلف أنحاء العالم. ففي الاتحاد الأوروبي، حققت الأغذية والمشروبات المحمية بالمؤشرات الجغرافية ما يقرب من 75 مليار يورو في عام 2020، وهو ما يمثل 7% من قطاع الأغذية والمشروبات في المنطقة و15.5% من صادراتها. على سبيل المثال، اكتسب أرز "هوم مالي" التايلاندي شهرة عالمية، وحسّن دخل المزارعين من خلال ربط هوية الأرز بتربته ومناخه الإقليمي. وبالمثل، حافظ شاي دارجيلنغ الهندي، الحاصل على مؤشر جغرافي منذ عام 2004، على مكانته المتميزة مع منع الاستخدام غير المصرح به لاسمه.
تُطبّق دولة الإمارات العربية المتحدة هذا النهج على منتجات مثل عسل حتا، وتمور الدباس الظفرة، وخزف رأس الخيمة، والحرف اليدوية التقليدية المصنوعة من الخوص. فهذه المنتجات لا تقتصر على توليد الدخل فحسب، بل تُحافظ على تراث الأمة وتُبرز مهارة حرفها.
ومن خلال الاستثمار في حماية المؤشرات الجغرافية، تدعم دولة الإمارات العربية المتحدة الاقتصادات الريفية، وتعزز مكانتها التصديرية، وتبني هوية عالمية موثوقة للسلع المنتجة محلياً.
استراتيجية وطنية للنمو الصناعي
في حين تُعدّ حماية التراث أحد ركائز استراتيجية الإمارات العربية المتحدة طويلة المدى، يُركّز ركيزة أخرى على تحويل الدولة إلى مركز صناعي مرن وقادر على المنافسة عالميًا. واستجابةً للتغيّرات في سلاسل التوريد العالمية، تبنّت الإمارات العربية المتحدة نهجًا استشرافيًا للتنمية الصناعية.
وفي قلب هذا التحول، تقع مبادرة "عملية 300 مليار"، وهي مبادرة وطنية تهدف إلى زيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد من 133 مليار درهم إماراتي إلى 300 مليار درهم إماراتي بحلول عام 2031. ولدعم هذا الهدف، خصص بنك الإمارات للتنمية 30 مليار درهم إماراتي لتمويل القطاعات ذات الأولوية، بما في ذلك الأغذية والمشروبات، والتكنولوجيا الزراعية، والأدوية، والبتروكيماويات، والمعدات الكهربائية، والهيدروجين، وتكنولوجيا الفضاء.
يقدم البرنامج مجموعة من الحوافز للمصنعين، مثل:
- تمويل يصل إلى 80% للنفقات الرأسمالية و70% للمشاريع الجديدة أو القديمة.
- تمويل يصل إلى 90% لتبني التكنولوجيا المتقدمة و100% لترقيات كفاءة الطاقة.
- فترة سماح لمدة عامين وقروض بفوائد منخفضة لرأس المال الاستثماري ورأس المال العامل.
- ائتمان التصدير والتأمين من خلال شركة الاتحاد للتأمين الائتماني وشركة AD Exports.
- الإعفاءات الجمركية على المواد الخام.
حملة "اصنعها في الإمارات"
تُكمّل حملة "اصنعها في الإمارات" هذا التوجه، حيث تُروّج الإمارات كوجهة مثالية للاستثمار الصناعي. وتدعم هذه الحملة المستثمرين من خلال تقديم المساعدة في التأسيس، والتوجيه التشغيلي، وفرص التواصل.
تتضمن الحملة أيضًا فعالية سنوية للمستثمرين والمصنعين. خلال النسخة الأخيرة، خصصت البنوك الوطنية أكثر من 40 مليار درهم إماراتي لتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة والناشئة. إضافةً إلى ذلك، أعلن مكتب أبوظبي للاستثمار عن إنشاء منظومة متطورة لقطاع السيارات، تهدف إلى جذب 8 مليارات درهم إماراتي من الاستثمارات الأجنبية المباشرة عبر سلسلة القيمة الكاملة لقطاع السيارات. ستُعقد الدورة القادمة من الفعالية في الفترة من 4 إلى 7 مايو 2026 في أبوظبي، وهي مفتوحة للمشاركين المسجلين.
الحوافز على المستوى المحلي
إلى جانب البرامج الاتحادية، تتخذ الإمارات المختلفة خطوات لجذب ودعم المصنّعين. فعلى سبيل المثال، تُقدّم أبوظبي أسعارًا لتأجير الأراضي تبدأ من 5 دراهم للمتر المربع من خلال برنامج حوافز الأراضي. كما تدعم تبني الثورة الصناعية الرابعة بين الشركات الصغيرة والمتوسطة من خلال برنامج التصنيع الذكي، الذي يشمل 4.0 مليون درهم إماراتي كمساعدات مالية. ويُخفّض برنامج دعم الطاقة تكاليف التشغيل من خلال تعريفات مُيسّرة للكهرباء والغاز.
خاتمة
تُجسّد جهود دولة الإمارات العربية المتحدة المتزامنة لحماية تراثها الثقافي وتوسيع قاعدتها الصناعية نهجًا استشرافيًا ومتوازنًا للتنمية الوطنية. فمن خلال المؤشرات الجغرافية، تُعزز الدولة هويتها وصورتها العالمية. ومن خلال الحوافز الصناعية القوية، تُهيئ بيئة خصبة للاستثمار والابتكار والمرونة.